إنهم يكرهون أمريكا .. أكثر مما يحبون مصر
كتبهادكتور محمد محفوظ ، في 25 أبريل 2008 الساعة: 19:24 م
( الأنتي - أمريكانيزم )
( Anti - Americanism )
( دكتور / محمد محفوظ )
مما يبعث على الحيرة و الحزن , أن تتحول بعض التيارات الفكرية و السياسية إلى بؤرة لإنتاج الكراهية و التعصب و الغل الأسود , و بالتالى تغيب الرؤية السياسية الرشيدة نتيجة تنامى مشاعر الانتقام الغريزية , و تتوارى المصلحة القومية خلف هستيريا الحقد الجماعية .
و سنتحدث هنا عن موجة الكراهية ضد أمريكا ( الأنتي - أمريكانيزم ) … تلك الموجة التى بدأ تصاعدها فى مصر منذ حادث سقوط الطائرة المصرية قبالة سواحل نيويورك فى أواخر عام 1999م , و مارافق ذلك الحادث من انطلاق حملة من الأقلام والأصوات المتعصبة التى كالت الاتهامات الجزافية والخيالية لشركة بوينج والمخابرات الأمريكية و الإسرائيلية ,انطلاقاً من أدبيات نظرية المؤامرة السائدة فى المنطقة العربية .
ثم تواصل الدعم لموجة الكراهية مع انطلاق انتفاضة الأقصى فى الأراضي الفلسطينية المحتلة,ومع أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة الأمريكية, وما ترافق مع هذين الحدثين من إثارة للمشاعر الدينية للدفاع عن الأقصى , أو لمواجهة المؤامرة الأمريكية المزعومة لشن حرب صليبية ضد المسلمين , انطلاقاً من أن أحداث 11 سبتمبر تم تأويلها فى ظل هستيريا الحقد الجماعية باعتبارها مؤامرة ( هى الأخرى ) من صنع المخابرات الإسرائيلية و الأمريكية .
و لقد تصاعدت موجة الكراهية مع الغزو الأمريكي لأفغانستان مما أدى إلى تنامى مشاعر الإعجاب و الافتتان بأسامة بن لادن الإرهابي رقم 1 فى العالم , فى مقابل تنامى مشاعر الكراهية لكل ما هو أمريكي .و استطاعت الأصوات القائدة لحملة الكراهية تضليل الرأى العام العربى وإيهامه بأنها حرب صليبية ضد المسلمين , وبأن القوات الأمريكية ستغوص فى المستنقع الأفغاني و تتوه فى سلاسل الجبال الأفغانية.
و لقد بلغت هذه الموجة ذروتها مع الغزو الأمريكي للعراق , حيث استطاعت تيارات الكراهية أن تزرع فى مخيلة الجماهير أن الهدف من هذه الحرب هو الاستيلاء على النفط العراقى , و نزع القدرات العسكرية للعراق من أجل حماية الدولة الإسرائيلية , ثم تكرار نفس السيناريو مع باقى الدول العربية القوية التى تهدد أمن إسرائيل . و بالتالى أدى هذا إلى أن يتنامى الاعتقاد لدى الجماهير التى تمكنت منها الكراهية , من أن المقاومة التى اندلعت فى العراق ضد القوات الأمريكية و حلفائها هى مقاومة وطنية تدافع عن التراب العراقى , بل و عن الأمة العربية كلها !!!
.. و لعل كل ما سبق يبعث بالفعل على الحيرة و الحزن .. فأن يتم تعبئة عقول الجماهير بكل هذا الكم من التضليل و الخداع و التفسير التآمرى لأحداث الواقع - انطلاقاً من اللعب على وتر التعصب والكراهية - لهو أمر خطير يجعلنا نعيش بهذه المنطقة البائسة من العالم فى ظل واقع موازى , واقع خيالى , واقع هستيرى لا يمت للواقع الحقيقى بصلة .
و بالتالى .. و حتى يمكن لهذه الجماهير المخدوعة أن تمتلك وعيها و تتخلص من شبكة التضليل المحبوكة حولها بخيوط الكراهية , فلا أبسط من أن نتوجه لقادة حملة الكراهية بعدد من الأسئلة الموضوعية التى تساهم فى فضح أكاذيبهم التى ضللوا بها الجماهير .. وهذه الأسئلة هى :
- إلى ماذا توصلت التحقيقات الأمريكية المصرية المشتركة فى حادث تحطم الطائرة المصرية أمام سواحل نيويورك ؟؟؟؟
- ما الذى حققته انتفاضة الأقصى بعد عدة سنوات ( غير ) إعادة احتلال أراضى الســـــــــــلطة الفلسطينية , و تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية , وتعطيل عملية السلام , و تمكين جماعات التطرف الإسلامي ( حماس و الجهاد ) من السيطرة على الشارع الفلسطينى فى ظل فوضى السلاح غير الشرعى ( انقلاب حماس فى غزة الآن هو أبلغ مثال ) , و ربط المقاومة الفلسطينية بالإرهاب الدولى نتيجة تصاعد العمليات الانتحارية ضد المدنيين , و التى تترجم لدى العقلية الغربية مباشرة على أنها امتداد لأحداث 11سبتمبر .
- ما الذى حققه التشكيك فى قدرة الولايات المتحدة على كسب الحرب فى أفغانستان ضد نظام طالبان الأصولي الاستبدادي المتخلف الذى أساء للإسلام أكثر مما أســـــاء له أشد أعداءه , (غير ) إضفاء صفات البطولة على الإرهابي ( أسامة بن لادن ) , و السماح لأفكاره الدموية بالانتشار فى الأوساط الفكرية العربية و الإسلامية.
- ما الذى حققه التشكيك فى أهداف الولايات المتحدة من غزو العراق (غير ) منح الشرعية الأدبية للجماعات التابعة لصدام و للمخابرات السورية والإيرانية و الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة , لكى تعيث فى العراق فساداً و تقتل عشرات الآلاف من العراقيين الأبرياء و تفجر خطوط النفط , وتحاول عرقلة التحول الديمقراطى فى العراق , بعد طول عهود من نظام حكم استبدادى دموى بسط الرعب و الخوف على كل العراق و دول الجوار و أدخل المنطقة فى صراعات عبثية .
.. و إذا كان لنا أن نقدم الإجابة , فإن ما يمكن أن يُقال وبكل الأسف , أن الشيء الوحيد الناجح الذى حققته حملة الكراهية (غير ) ما ذكرناه , يتمثل فى توفير الفرصة للحكام المستبدين فى المنطقة العربية لكى يجلسوا على مقاعد الحكم لسنوات كئيبة قادمة. و ذلك انطلاقاً من أن الكراهية تؤدى إلى مســـــــــخ الآخر المكروه إلى شــــــــــيطان رجيم يناصر الشــــــــــر و يحارب الخير , و بالتالى يغيب عن وعى الجماهير العدو الحقيقى الذى يتمثل فى أنظمة الحكم المســـــــــــتبدة , و يتحقق المراد و لايمكن لهذه الجماهير المخدوعة ــ فى ظل هذه الأجواء المشحونة بالكراهية ــ أن تثق فى دعم الولايات المتحدة الحالى للتحول الديمقراطى فى المنطقة العربية , على الرغم من أن هذا الدعم أصبح يمثل أحد عناصر الأمن القومى الأمريكي , بعد أن تأكدت دوائر الحكم فى واشـــــــــــــنطن عقب أحداث 11 سبتمبر من أن الاستبداد هو الأب الشرعى للإرهاب , و أن مكافحة الاستبداد ودعم التحول الديمقراطى بالمنطقة العربية أصبحا يمثلان الجبهة الخلفية للحرب على الإرهاب .
وتؤكد كافة الشواهد على أرض الواقع السياسى بأن التحولات الديمقراطية غير المسبوقة التى كانت قد بدأت تقوم بها بعض النظم العربية على استحياء , ما كان لها أن تبدأ إلا نتيجة هذه الضغوط السياسية الأمريكية . و لكن للأسف فان حملة الكراهية لا تعطى مزيداً من الدفع لتلك الضغوط لكى تسفر عن إصلاحات شاملة , بل على العكس , فهى تعمل فى الاتجاه المضاد بحيث تدفع النظم العربية القائمة إلى الاستقواء بشعوبها الكارهة التى أعماها التضليل و الغل الأسود , و أصبحت لا ترى إلا الشيطان الأمريكي المزعوم الذى لا يريد الديمقراطية و إنما يريد الهيمنة , بينما تغيب عنها الممارسات الديمقراطية اليومية فى أرض الواقع السياسى الأمريكي ,و الوقائع التاريخية المؤكدة للتجارب الأمريكية السابقة فى دعم التحول الديمقراطى فى كل من اليابان و ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية , و فى كوريا الجنوبية , و باقى دول الكتلة الشرقية .
إن الفكر السياسى يؤكد أن السياسة هى فن و علم إدارة المصالح . و المصلحة السياسية تقرر بأن عدو الأمس يمكن أن يكون صديق اليوم , و صديق اليوم يمكن أن يكون عدو الغد . و بالتالى لا توجد فى دائرة الفعل السياسى صداقات دائمة أو عداءات دائمة , و إنما صداقات مرحلية و عداءات مرحلية , فحيثما تكون المصلحة السياسية يكون الولاء . فالمصلحة فى الفقه السياسى هى الاستراتيجية , بينما الولاء هو التكتيك .
و هذا يدفعنا إلى أن نسأل جماعات قيادة حملة الكراهية ضد أمريكا :
- هل تعتقدون أن الشعوب العربية بمفردها قادرة على تغيير حكامها المستبدين فى مواجهة حشود أمنية باطشة غاشمة , و جيوش عسكرية مرفهة موالية ؟
- ألا تفرض المصلحة السياسية القبول بتكتيكات التحالف مع الولايات المتحدة فى دعمها للتحول الديمقراطى فى المنطقة , و بالتالى سيحكم هذه العلاقة أبجديات و قواعد التحالف و التعاون , و ليس اتهامات العمالة و الارتزاق ؟
- أليس من باب الحصافة السياسية العمل على اقتناص الظرف التاريخى الذى ربما لن يتكرر لضرب الأنظمة الاستبدادية فى مقتل بأقل الخسائر الممكنة , انطلاقاً من الدعم الأمريكي غير المسبوق لقضايا التحول الديمقراطى منذ أحداث 11 سبتمبر , و الذى أدى إلى أن تصبح هذه القضايا مدرجة على ملفات الأمن القومى الغربى , بعد أن كانت مدرجة فقط ضمن ملفات منظمات المجتمع المدنى لحماية حقوق الإنسان ؟
.. إن منطق الرُشد السياسى يقرر بأن العالم فى ظل العولمة قد اصبح بمثابة شبكة مترابطة بعد أن كان جزراً متناثرة , و بالتالى فإن مصلحة الولايات المتحدة و الغرب - عموماً - باتت تحتم عليهم دعم التحول الديمقراطى فى المنطقة و غيرها , لأن الديمقراطية ستدعم جهود التنمية , و التنمية ســــترفع معدل الدخول لجموع المواطنين , و ارتفاع معدل الدخل سيرفع من حركة التبادل التجارى , و ارتفاع حركة التبادل التجارى ستوفر المزيد من فرص العمل , مما يدفع إلى زيادة سرعة عجلة التنمية و من ثم زيادة فرص التعليم , و بالتالى دفع المجتمع نحو الحفاظ على الديمقراطية و رعاية التعددية و التنوع , باعتبار هذه القيم بمثابة حصن الأمان لأى جماعة بشرية ضد تنامى مخاطر الاستبداد و الإرهاب و التطرف .
و هذا يوضح بكل جلاء بأن الولايات المتحدة الأمريكية عندما تدعم التحول الديمقراطى , فإنها لا تفعل ذلك لأنها أصبحت رسول الديمقراطية المُنزل من السماء إلى العالم , و إنما لأن المصلحة السياسية أصبحت تحتم عليها ذلك . ففى عالم تشابكت أطرافه فى ظل العولمة , لا يمكن دعم التعاون بين تلك الأطراف إلا من خلال نظم حكم ديمقراطية .
فلماذا إذن يتم تفويت هذا الظرف التاريخى بسبب نوازع الكراهية الكئيبة و غياهب الغل الأسود التى تسمم الأجواء السياسية فى هذا البلد و فى هذه المنطقة أكثر مما هى مسممة .
إن المنطق السياسى يقرر بأنه ينبغى على كل من يحب مصر .. أن يعطى الأولوية لدعم مصالحها الإستراتيجية قبل أن يعطى الأولوية لضرب مصالح الأعداء الإستراتيجية .
و يا جماعة كراهية أمريكا فى مصر , إنكم تساهمون بدعوتكم لكراهية أمريكا فى إطالة عمر مقاعد الاستبداد فى هذا البلد , و لن تتحطم هذه المقاعد و نستبدلها بمقاعد تداول السلطة و الحكم الديمقراطى إلا عندما تحبون مصر أكثر من كراهيتكم لأمريكا .
فإلى متى ستكرهون أمريكا أكثر مما تحبون مصر .. ؟
دكتور / محمد محفوظ
دكتور /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال سياسى | السمات:مقال سياسى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























